محمد طاهر الكردي
366
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
لغلو ثمنه ، وإني أذكر أن في سنة تسعمائة وثلاثين قلّ الماء في الآبار البعيدة أيضا ، فارتفع سعر الماء جدا في يوم عرفة ، وكنت يومئذ مراهقا في خدمة والدي رحمه اللّه ، وفرغ الماء الذي كنا حملناه من مكة إلى عرفات ، وعطش أهلنا فتطلبت قليلا من الماء للشرب فشتريت قربة ماء صغيرة جدا يحملها الإنسان بإصبعه بدينار ذهب ، والفقراء يصيحون من العطش يطلبون من الماء ما بيل حلوقهم في ذلك اليوم ، فشرب أهلنا بعض تلك القربة وتصدقوا بباقيه على بعض من كان مضطرا من الفقراء وعطشت عقيبه ، وجاء وقت الوقوف الشريف والناس عطاش يلهثون فأمطرت السماء وسالت السيول من فضل اللّه تعالى ورحمته والناس واقفون تحت جبل الرحمة فصاروا يشربون من السيل من تحت أرجلهم ويسقون دوابهم ، وحصل البكاء الشديد والضجيج الكثير من الحجاج في وقت الوقوف لما رأوا من رحمة اللّه تعالى ولطفه بهم وإحسانه إليهم وتكرمه عليهم ، ولا أزال أتذكر تلك الساعة وما حصل بها من اللطف العظيم من كرم اللّه العميم . صدور الأوامر السلطانية بإصلاح عين حنين وعين عرفات قال الغازي : وبرزت الأوامر السلطانية بإصلاح عين حنين وعين عرفات وعين لها ناظرا اسمه مصلح الدين مصطفى من المجاورين بمكة ، فبذل جهده في عمارتها وإصلاح قناتها إلى أن جرت عين حنين إلى أسفل مكة تصب في بركة ماجن ، وأصلح عين عرفات وأجراها إلى أن صارت تملأ البرك بعرفات ، وذلك في سنة تسعمائة وإحدى وثلاثين ، وصار الحجاج يروون من ذلك الماء العذب الفرات ، بعد ذلك العطش الشديد في يوم عرفات ، ثم اشترى ناظر العين عبيدا سودا من خزائن السلطنة الشريفة برسم خدمة العين لإخراج ترابها من الدبول والقنوات وهذه خدمتهم دائما . قال القطبي : وهم باقون إلى الآن طبقة بعد طبقة لهذه الخدمة . ثم توجه مصطفى ناظر العين إلى الأبواب السلطانية السليمانية وعرض في أمر العين أحوالا يجب عرضها ، فأجيب إلى كل ما سأل وعاد مجبورا إلى مصر ، ثم ركب من بندر السويس إلى مكة فغرق في بحر القلزم شهيدا . وكانت وفاته في سنة تسعمائة وسبع وثلاثين ، واستمرت عين حنين جارية إلى مكة ، لكنها تقل تارة وتكثر أخرى ، بحسب قلة الأمطار وكثرتها ، وعين عرفات تجري من نعمان